المحقق البحراني

250

الكشكول

لبعضهم : لم أقل للشباب في دعة اللّه * ولا خفضه غداة استقلا زائر زارنا أقام قليلا * سود الصحف بالذنوب وولى الصفدي : أنا في حالي نقيض معكم * وهو في شرع الهوى ما لا يسوغ بلى الصبر وأضحى هرما * والمنى في وصلكم دون البلوغ قال بعض العارفين : إن أكل الحرام والشبهة مطرود عن الباب بغير شبهة ، ألا ترى أن الجنب ممنوع عن دخول بيته والمحدث محرم عليه مس كتابه مع أن الجنابة والحدث أمران مباحان فكيف بمن هو منغمس في قدر الحرام وخبث الشبهات لا جرم أيضا إنه مطرود عن ساحة القرب غير مأذون له في دخول الحرم . من كلام الغزالي : الفرق بين الرجاء والأمنية أن الرجاء يكون على أصل والتمني لا يكون على أصل ، مثاله من زرع واجتهد وجمع بيدرا ثم يقول : « أرجو أن يحصل منه قفيز » فذلك منه رجاء ، وآخر لا يزرع زرعا ولا يعمل يوما قد ذهب ونام وأغفل سنته فإذا جاء وقت الحصاد يقول : « أرجو أن يحصل لي مائة » فيقال له : من أين لك هذه الأمنية التي لا أصل لها ، فكذلك العبد إذا اجتهد في عبادة اللّه والانتهاء من معاصيه يقول : « أرجو أن يتقبل اللّه هذا اليسير ويتم هذا التقصير ويعظم الثواب » فهذا رجاء منه ، وأما إذا غفل وترك الطاعة وارتكب المعاصي ولم يبال بسخط اللّه ورضاه ووعده ووعيده ثم أخذ يقول : « أرجو من اللّه الجنة والنجاة من النار » فذلك منه أمنية لا حاصل لها سماها رجاء ، وحسن ظنه خطأ منه وجهلا . قال بعضهم : رأيت أبا ميسرة العابد وقد بدت أضلاعه من الاجتهاد فقلت : يرحمك اللّه ان رحمة اللّه واسعة ، فغضب وقال : هل رأيت ما يدل على القنوط إن رحمة اللّه قريب من المحسنين ، فأبكاني واللّه كلامه . لينظر العاقل إلى حال الرسل والأبدال والأولياء واجتهادهم في الطاعات وصرفهم العمر في العبادات لا يفترون عنها ليلا ولا نهارا أما كان لهم حسن ظن باللّه ، بلى واللّه وإنهم كانوا أعلم بسعة رحمة اللّه وأحسن ظنا بجوده من كل ظان ، ولقد علموا أن ذلك بدون الجد والاجتهاد أمنية محضة وغرور بحت فاجهدوا أنفسهم في العبادة والطاعة ليتحقق لهم الرجاء الذي هو من أحسن البضاعة .